السيد محمد بيرم الخامس التونسي
165
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
فلندفع أذاه بوضع هذا الصخر العظيم على فمه ونسدمه ، ففعلوا من غير أن يعلموا بالصالح الواقع فيه ، وخطر هو بباله أن يعلمهم ثم قال : لا التجىء إلى مخلوق واللّه أعلم بحالي ، وبعد ما مر السابلة جاء سبع وحفر فرجة من فم البئر وأدلى ذنبه إلى الرجل الصالح ، فقال : إن هذا إذن من اللّه بنجاتي ، فتمسك بذيل السبع وأخرجه السبع من البئر وذهب إلى حال سبيله ، وسمع مناديا يقول قد نجيت من الهلاك بالهلاك . وسئل الشيخ سيدي عبد العزيز كيف يصح هذا العمل من هذا الرجل الصالح والحال أنه مخالف للشريعة لأن اللّه يقول : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] وعدم إعلامه هو للسابلة من باب الإلقاء باليد ، فأجاب سيدي عبد العزيز رضي اللّه عنه بأن التكاليف الشرعية العملية هي ثاني رتبة من التكاليف الاعتقادية ، وذاك الرجل الصالح علم من نفسه ركونها للأسباب وعدم صحة توكلها فقهرها حتى يثبت صحة الإعتقاد الذي هو الدرجة الأولى ، فلهذا كان الرجل قد عمل بالشريعة بوضع درجات التكليف مواضعها ، هذا محصل كلامه رضي اللّه عنه . وبه يعلم أن كل من ارتكب منهم مخالفة الأسباب لا بد أن يكون له حامل خاص ، وإلّا فهم رضي اللّه عنهم أشد محافظة على الشريعة ، فلا يغتر أحد بأن أعمالهم مخالفة لمشروعية الأسباب بل يحمل كل منهم على أمر خاص يليق بحاله ، وفقنا اللّه للاهتداء بهداهم .